أبي بكر جابر الجزائري
588
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
عليهم السّلام . وقوله تعالى وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ « 1 » أي لم يكن من شأن ربّك أيها الرسول أن يهلك القرى بظلم منه وأهلها مصلحون ، ولكن يهلكهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك والتكذيب والمعاصي . وما تضمنته هذه الآية هو بيان لسنة اللّه تعالى في إهلاك الأمم السابقة ممن قص تعالى أنباءهم في هذه السورة . وقوله تعالى وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً « 2 » أي على الإسلام بأن خلق الهداية في قلوبهم وصرف عنهم الموانع . ولما لم يشأ ذلك لا يزالون مختلفين على أديان شتى من يهودية ونصرانية ومجوسية وأهل الدين الواحد يختلفون إلى طوائف ومذاهب مختلفة وقوله إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ « 3 » أيها الرسول فإنهم لا يختلفون بل يؤمنون باللّه ورسوله ويعملون بطاعتهما فلا فرقة ولا خلاف بينهم دينهم واحد وأمرهم واحد . وقوله وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ أي وعلى ذلك خلقهم فمنهم كافر ومنهم مؤمن ، والكافر شقي والمؤمن سعيد ، وقوله وَتَمَّتْ كَلِمَةُ أي حقت ووجبت وهي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ « 4 » مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ « 5 » أَجْمَعِينَ ولذا كان اختلاقهم مهيّئا لهم لدخول جهنم حيث قضى اللّه تعالى بامتلاء جهنم من الجن والإنس أجمعين فهو أمر لا بد كائن . هداية الآيات : من هداية الآيات : 1 - ما يزال الناس بخير ما وجد بينهم أولو الفضل والخير يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن الفساد والشر . 2 - الترف كثيرا ما يقود إلى الاجرام على النفس باتباع الشهوات وترك الصالحات . 3 - متى كان أهل القرى صالحين فهم آمنون من كل المخاوف . 4 - الاتفاق رحمة والخلاف عذاب .
--> ( 1 ) في الآية إشارة إلى مصداق مثل سائر بين الناس وهو قولهم يدوم الكفر ولا يدوم الظلم . فالأمة إذا كان افرادها مصلحين لا يفسدون ولا يرضون الفساد ولا يقرونه فتطول حياتها ويعظم شأنها ولو كانت كافرة . ( 2 ) في الآية تقرير مشيئة اللّه تعالى التي لا يقع في الكون شيء إلا بها فما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن . يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم على ملة الإسلام أو ملة الكفر أمة واحدة ولكن حكمته اقتضت اختلاف الناس لتتجلى في ذلك قدرته ورحمته وعدله وعفوه ومغفرته . ( 3 ) اجتماع الأمة وعدم اختلافها مظهر من مظاهر رحمة اللّه تعالى واختلافها مظهر من مظاهر عذابها وشقائها وحرمانها . ( 4 ) جملة لأملأن جهنم تفسير للكلمة التي أتمها اللّه تعالى وهي قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ . . . ( 5 ) أي من الفريقين فمن تبعيضية فيدخل بعض الجن والإنس الجنة ويدخل بعض الجن والإنس النار .